مـــنـــتـــــدى أزهــــــــــــــــــــــــــــــــــــار ئاكــــــــــرى

مدير المنتدى جابرالعقراوي يرحب بك اخي الكريم نرجو التسجيل في المنتدى
مـــنـــتـــــدى أزهــــــــــــــــــــــــــــــــــــار ئاكــــــــــرى

منتدى الجيل الرابع شباب ئاكرى

   تحية من مدير المنتدى جابرالعقراوي الى المشرفين والاعضاء الكرام نرجو التواصل معنا  ((كل ما ينشر في المنتدى لا يعبر ابدا عن وجهة نظرالمدير العام الشخصي))                  

ادارة المنتدى

المدير العام للمنتدى
جابرالعقراوي

مجموعة عملاقة من الكتب
 
 
  مـــنـــتـــــدى  أزهــــــــــــــــــــــــــــــــــــار ئاكــــــــــرى

 

 

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

 
 
جدول موجود في القسم الديني

    دخان الوجع ! قصة قصيرة

    شاطر
    avatar
    جابرالعقراوي
    المدير العام
    المدير العام

    عدد المساهمات : 191
    نقاط : 2147512757
    تاريخ التسجيل : 03/10/2010
    العمر : 37
    الموقع : http://jaber-akre.yoo7.com

    دخان الوجع ! قصة قصيرة

    مُساهمة من طرف جابرالعقراوي في الإثنين مايو 09, 2011 1:29 am

    يجلس وحيدا على مقعد إسمنتي في حديقة المستشفى، يمج من سيجارته نفسا عميقا، ويتأمل خروج الدخان الرمادي بلامبالاة واضحة، ينظر إلى الضباب المحيط به، ويخط على ورقة بيضاء:

    ندم يحرق أيقونة في النفس
    ويحرم الصلاة في قعر المداد
    ويطفئ الفتيل في الشمس

    الدنيا تجافيني..
    وأنا لم أحدد بعد شعوري نحو الدنيا
    لم أعد أفرق في شعري
    بين الوحشة والأنس
    بين كتب الفلسفة ومجلات الجنس
    لا أفرق بين أقعد للوقوف
    وانهض للجلوس..
    ولا بين ضحكة الحواة
    وابتسامة الكاهن للناقوس
    لا افرق بين تناطح حملين
    وغزوة انتصرت فيها وأنا طفل

    يتوقف عن الكتابة، يتأمل شريط الأحداث الذي يمر أمامه متقطعا قبل أن يغلف السواد كل شيء، وكأنه أصيب بتمزق في نقطة معينة.. يرمي سيجارته بعصبية واضحة، يحاول طرد الصور من ذهنه، لكنه لا يستطيع.. هي نفس الصور تتكرر وتعيد نفسها بجنون، يضع يديه المربوطتين على رأسه، لا يستطيع طردها، يغلق أذنيه، والصور ما زالت تلاحقه، يصرخ ونفس النقطة لا تكاد تتوقف إلا لتعيد الدقيقة التي حصل فيها كل ذلك..يصرخ أكثر، يهرول نحوه ثلاثة ممرضين بملابسهم البيضاء، يمسك به اثنين وهو يقاوم ويصرخ، يحقنه الثالث بمادة منومة في معصمه الأيسر، ليسقط بهدوء، يلتفت أحدهم إلى زميليه قائلا:
    - لقد هدأ المسكين!
    يستيقظ بعد ساعتين، ليجد أمامه حائطا ابيض، وصوت يأتيه من الخلف:
    - كيف حالك يا بطل
    ابتسم للجدار دون أن يرد..

    يختفي صوت الطبيب، وتقترب منه ذكرياته..من البداية !
    يشاهد نفسه مراهقا في الخامسة عشرة، يجلس في الفصل، منتبها لشرح أستاذ الحساب، يخرج في استراحة قصيرة، في انتظار حصة التاريخ التي يحبها، تناديه الطبيعة، ويذهب لدورة المياه، يجد هناك زملاءه في الفصل يتناوبون على تدخين سيجارة محشوة بقطعة حشيش، يناولونها إياه كما يفعلون دائما، يرفض كالعادة..يصيح احدهم: لا تحاولون معه..ياسين من أبناء “يا ماما أشعر بالبرد”..يضحكون بهستيريا..
    لم يتحمل استهزاءهم ، خطف السيجارة من يد أحدهم كي يؤكد أنه ليس جبانا، ووضعها بين شفتيه!

    تمر سنوات حياته تباعا، وتكرر نفسها، تماما كما تمر السجائر المحشوة بالحشيش على شفتيه..
    بعد سنتين سيطرد من المدرسة، في لحظة غضب أعمى …

    يغمض عينييه، ويحاول الإمساك بالجدار بأصابعه.. لا يستطيع، لكنه يستطيع تذكر ذلك اليوم
    جيدا:

    تدخل الأستاذة الحامل، وتعلن نتائج اختبار الأسبوع الفائت، تصل إلى اسمه، وتخبره بأنه حصل على نتيجة اثنين في المائة فقط..يتوجه نحوها، يصفعها ويبصق في وجهها قبل أن يخرج، تاركا الأستاذة مغميا عليها.
    عرف فيما بعد أنها نقلت إلى المستشفى وأجهضت هناك، قبل أن يتوصل بقرار الطرد من المدرسة لمدة خمس سنوات..يعود إلى البيت، ليجد أباه مكفهر الوجه، أحمر العينين ورائحة الخمر تفوح من فمه مخترقة أسنانه المكسورة..لا يذكر شيئا سوى آخر كلمة قالها أبوه:
    يا حشاش، با ابن الكلب..كيف تضرب الأستاذة يا ابن..
    هوى بعصا غليظة على رأسه وصرخات أمه المسكينة تحاول أن ترد عنه الضربات..ليسقط بعدها مغمى عليه.
    يقرر الهرب من ذكرياته بالاختباء تحت ملاءة المستشفى…
    لكن الذكريات تأبى إلا أن تحاصره كأنها لم تحدث إلا في الأمس القريب..
    يستعيد ذكريات محاولات الهروب والفشل ..
    يتذكر كيف حمل حقيبته التي وضع فيها ما خف وزنه من ملابس وغطاء صغير، و500 درهم سرقها من محفظة أمه الموضوعة فوق جهاز التلفزيون، قبل أن يتوجه للمحطة الطرقية.
    كل شيء هناك يشي ببؤس أصحاب المكان الدائمين، وحيرة أصحابه المؤقتين من المسافرين.
    يغمغم: ما سر هذه النظرة المرتبكة، والانتظار المترقب!
    هل هو خوف طبيعي من الآتي الذي لا نعرف ملامحه جيدا..أم هو الخوف من السفر نفسه!
    السفر مغامرة رائعة أحيانا، ومخيفة في أحايين كثيرة ..قد نخوضها بحب، أو بدون تخطيط مسبق، أو بقرار سريع لم نفكر في نتائجه طويلا، كما فعل صاحبنا!
    يضع حقيبته على رصيف المحطة، ويجلس فوقها في انتظار حافلة ما لتذهب به إلى مكان ما!

    يجد نفسه في موقف قريب من قصة أليس في بلاد العجائب التي قرأها في كتاب مادة اللغة العربية ، ربما يقف في نفس المكان الذي وقفت فيه اليس، عندما وجدت نفسها عند مفترق طرق تتفرغ منه ثلاث طرقات ، تسأل الأرنب : أي طريق أختار ؟. قال لها : يا اليس .. إلى أي مكان تتجهين ؟. قالت: لا اعرف . قال لها : ما دمت لا تعرفين ، يمكنك المشي في أي طريق!

    يقذف بجسده المنهك في أول حافلة تقف أمامه دون أن يسأل عن محطتها القادمة، يعرف فقط أنها متوجهة إلى الشمال..يعدل من جلسته في الحافلة ويغمض عينيه ..
    يفتحهما الآن وهو متمدد على سريره في المستشفى، ويزيح عنه الملاءة البيضاء!
    يحاول الضغط على فرامل أحلامه المتسارعة لكنه لا يستطيع إيقاف كل ذلك الزخم من الأحداث التي توالت على ذاكرته!
    يحاول النهوض قبل أن يكتشف بأنه محاصر بأنابيب الدواء المتصلة بذراعه اليمنى، والقيد الذي يربط رجليه مع السرير الحديدي، يستسلم لذلك ويعود لوضعيته السابقة.
    يرفع عينيه نحو الأعلى..وذاكرته وصلت إلى تطوان، إلى المدينة التي وصلها دون تخطيط مسبق.

    يتحول السقف إلى شاشة عرض تلك الأحداث، يتذكر البحر المتوسط، ومحاولته الهجرة إلى الإلدورادو قبل ان يسقط في أيدي خفر السواحل، يتذكر كل المهن التي اشتغلها هناك: ماسح أحذية، بائع مناديل في المحطة، بائع سجائر، بائع أكياس بلاستيكية، وحتى حمالا يساعد في حمل صناديق السردين في الميناء حيث خبر فيه حُقَن الهروين، وغبار الكوكايين..ودخوله المتكرر للسجن بسبب ذلك، قبل أن يدخل إليه في المرة الأخيرة منذ خمس سنوات بعد تناوله حبة قرقوبي (اكستازي) ، ومحاولته اعتراض سبيل فتاة في الشارع العام واغتصابها، قبل أن يتدخل بعض المارة لتخليصها منه وتسليمه للشرطة.
    يتنهد في تلك اللحظة.. يأتيه صوت الطبيب:
    - لم يبق الكثير يا ياسين، ستخرج من السجن بعد شهرين فقط وأنت معافى من الإدمان، لكن ماذا ستفعل بعد ذلك ؟ّ!
    لا يرد..لأنه لم يطرح هذا السؤال من قبل..ولا يعرف له جوابا !
    ماذا سأفعل بعد خروجي من السجن..ماذا سأفعل..ماذا سأفعل ..
    يصرخ بصوت مكتوم!
    تزيد حدة صراخه..عندما يستعيد تلك الدقيقة التي لا تغادر ذاكرته..
    يصرخ أكثر، لكن صرخته المكتومة لا تصل لأحد!.

    في السقف نفسه يستعيد ذلك المشهد:

    يعود من الميناء بعد يوم متعب من حمل صناديق السمك على ظهره الهزيل، يلتقي صدفة بجاره القديم في مدينته التي غادرها قبل سنوات ..ويقذف بالخبر الصاعقة:
    - البقاء لله يا ابني ياسين..أمك ماتت حزنا عليك، وأبوك فقد عقله، ولا أحد يعرف مكانه حتى الآن..سامحه الله لم يكن يتوقف لحظة عن شرب الخمر!
    تدور به الأرض، ويضرب بيديه على الجدار..يتحسس جيبه، ويخرج الورقة نفسها التي كتب عليها بعض الأبيات في حديقة المستشفى..ويكمل نهاية القصيدة:

    سأرجع للحكاية
    واقطف منها شهبا
    وأصنع مملكتي
    أزوج فيها الأقمار بالشموس
    لتلد لي النجوم
    ترضع من ذاكرتي
    وتكتب لي شعرا جديدا عن الحزن
    يبحر في يم الكؤوس..
    ويضع لي لعنة فرعونية
    على يأسي
    وحزني
    وجلوسي

    تنزل دمعتين ساخنتين على خده.. يتمالك نفسه ويرد على الطبيب بعد ان انتبه إلى أنه ما زال واقفا أمامه:
    - عندما سأخرج سأنشئ جمعية لمحاربة المخدرات..
    سأقول للأطفال إن السيجارة الأولى ..هي بداية المأساة!

    ابتسم الطبيب..
    ابتسم صاحبنا..




      الوقت/التاريخ الآن هو السبت سبتمبر 22, 2018 12:45 pm